أبرز موقع "ذا أفريكا ريبورت" الاتهامات السودانية لإثيوبيا بالتورط في الحرب الأهلية عبر مساعدة قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان حميدتي دقلو (حميدتي)، بعد أن وضعتها المعارك في منطقة النيل الأزرق جنوب شرق السودان مرة أخرى في دائرة الضوء. 

 

وجاءت أحدث موجة تصعيد، عندما شنت قوات الدعم السريع، التي تقاتل إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، هجمات منسقة على ثلاثة مواقع استراتيجية واجتاحت بلدة ديم منصور، ذقب سلسلة من الانتكاسات السريعة في ساحة المعركة. 

 

ففي 26 يناير، استعادت وحدات القوات المسلحة السودانية مواقعها في مقاطعة باو. وفي غضون 24 ساعة، شنت قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال هجومًا مضادًا، متقدمة من المناطق الحدودية القريبة من إثيوبيا وجنوب السودان.


واتهم مسؤول سوداني رفيع المستوى إثيوبيا بتسهيل الهجوم بشكل مباشر، قائلاً إأن مقاتلي قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال تسللوا إلى السودان من الأراضي الإثيوبية قرب يابوس، على طول حدود النيل الأزرق. 

 

وأضاف أن الطائرات المسيرة المسلحة المستخدمة في القتال انطلقت من منطقة بني شنقول-جوموز الإثيوبية، من قواعد مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة. 

 

وقال المسؤول إن الخرطوم تواجه "غزوًا مدعومًا من الخارج"، على الرغم من تأكيد الجيش على قدرته على الصمود.

 

الأدلة المتوفرة


قال موقع " ذا أفريكا ريبورت" إنه لم يتحقق بشكل مستقل من الادعاءات التي نشرتها صحيفة "سودان تريبيون". 

 

لكن هذا التقرير أعاد فتح تساؤل ظل قائمًا منذ بدء الحرب في السودان في أبريل 2023: هل تحاول إثيوبيا حماية نفسها من تداعيات انهيار جارتها، أم أنها أصبحت، عن قصد أو عن غير قصد، ممرًا لقوات الدعم السريع وداعميها الخارجيين؟

 

وبحسب التقرير، فإن هذه الاتهامات الأخيرة لم تأت من فراغ. فقد حذر المسؤولون السودانيون والمراقبون الإقليميون، على مدى شهور، بهدوء من أن حدود النيل الأزرق باتت تشكل نقطة ضغط.

 

وقال كونور ترومبولد، محلل شؤون شرق أفريقيا والقرن الأفريقي في شركة "كونترول ريسكس"، إن الصورة على أرض الواقع غامضة. 

 

وأضاف: "لم نتمكن من تأكيد وجود معسكر لقوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال في إثيوبيا بشكل قاطع".

 

وأفاد مصدر محلي في أسوسا، غرب إثيوبيا، لموقع "كونترول ريسكس" الإخباري بوجود معسكر عسكري في أوندولو، بمنطقة مينجي، أُنشئ عام 2019 عقب أعمال عنف عرقية. 

 

ويقول ترامبولد لـ"ذا أفريكا ريبورت": "لم يكونوا على علم باستخدامه لتدريب قوات الدعم السريع أو جماعات أجنبية أخرى".

 

مع ذلك، أشار إلى أن "مصدرًا مرتبطًا بالمخابرات الإثيوبية أكد صحة التقارير"، وهو ما يُذكّر بمدى ضآلة اطلاع المراقبين الخارجيين على المناطق الحدودية الغربية لإثيوبيا.

 

وأضاف ترامبولد أن هذه الاتهامات قد تكون ذات دوافع سياسية أيضًا. وتابع: "من المحتمل أن تكون تصريحات القوات المسلحة السوددانية متعلقة جزئيًا بالرسائل التي تهدف إلى ردع أي تورط إثيوبي أعمق".

 

تاريخ يغذي الشكوك


وحتى بدون أدلة قاطعة، أشار التقرير إلى أن مزاعم السودان تجد صدىً واسعًا. فالعلاقة بين إثيوبيا والحرب في السودان معقدة، وانعدام الثقة بينهما يتراكم منذ سنوات. 

 

في ديسمبر 2025، اتهم مسؤول سوداني رفيع المستوى إثيوبيا بفتح أراضيها لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة معها في أربع مناطق حدودية ضمن إقليم بني شنقول-جوموز، المتاخم لإقليم النيل الأزرق، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة "سودان تريبيون".

 

وزعم المسؤول أن معسكرات التدريب - التي تضم قوات الدعم السريع، والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال (فصيل جوزيف توكا)، والقوات الموالية لعبيد أبو شوتال، والمرتزقة من إثيوبيا وجنوب السودان - قد تم تزويدها بالمعدات العسكرية استعداداً للهجوم.

 

وهذه ليست المرة التي تثار فيها مزاعم تعاون إثيوبيا مع قوات الدعم السريع. ففي ديسمبر 2023، صرّح مسؤولون في الجيش السوداني بأنهم اعترضوا شحنتين من الأسلحة قرب الحدود الإثيوبية في ولاية القضارف، زاعمين أنهما كانتا متجهتين إلى وحدات من قوات الدعم السريع. ونفت إثيوبيا هذه الاتهامات.

 

تاريخيًا، دعمت إثيوبيا الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي انبثق منها الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشمال الحالية. في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، سمحت الحكومات الإثيوبية المتعاقبة للحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان بالعمل انطلاقًا من أراضيها، وقدمت لها الدعم المادي واللوجستي كجزء من حسابات أمنية إقليمية أوسع.

 

وتفاقمت العلاقات أكثر عندما بدأ الجيش السوداني بالتعاون مع قوات دفاع تيغراي، الجناح المسلح لجبهة تحرير شعب تيغراي، العدو السابق لإثيوبيا في زمن الحرب. أثار هذا التحالف غضب القادة الإثيوبيين وزاد من حدة التوتر في أديس أبابا.

في ظل هذه الخلفية، قال التقرير إن المسؤولين السودانيين مستعدون لتفسير أي تحرك بالقرب من الحدود على أنه عمل عدائي، بخاصة عندما يبدو أن مقاتلي قوات الدعم السريع يعملون بمستوى متزايد من التطور.

 

دولة عبور


مع ذلك، يتجنب المحللون اتهام إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع ميدانيًا. ويرى ترامبولد أن إثيوبيا على الأرجح تعمل كممر عبور أكثر من كونها جهة راعية. 

 

وقال: "من المرجح أن إثيوبيا تعمل كممر عبور للأسلحة التي يزود بها داعمو قوات الدعم السريع الأجانب، بدلًا من استضافة أعداد كبيرة من مقاتلي قوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال".

 

من جهته، قال كاميرون هدسون، باحث أول في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، إن التركيز على إثيوبيا يغفل الصورة الأوسع.

 

وأضاف: "من الثابت الآن أن إثيوبيا تقوم ببناء قاعدة عسكرية جديدة في منطقة بني شنقول-جوموز، بالقرب من الحدود مع السودان." وهذا جزئيًا لحماية سد النهضة الإثيوبي.

 

لكن هدسون يجادل بأن الإمارات العربية المتحدة استخدمت مرارًا وتكرارًا الدول الشريكة لتحقيق أهدافها العسكرية. ويقول: "كما رأينا في تشاد وليبيا، فإن للإمارات العربية المتحدة تاريخًا في استغلال الدول التابعة لها لخدمة أغراضها الاستراتيجية".

 

مع تزايد القيود التي تفرضها الدول على المجال الجوي الإماراتي، يعتقد هدسون أن إثيوبيا أصبحت واحدة من الطرق القليلة المتبقية لدعم خطوط إمداد قوات الدعم السريع. ويقول: "أصبحت إثيوبيا آخر مكان طبيعي للقيام بذلك".

 

الأهم من ذلك، لا يعتقد هدسون أن إثيوبيا ستجني الكثير من هذا الترتيب. يقول: "إن دافع إثيوبيا هنا ليس الحوافز، التي تبدو غائبة، بقدر ما هو الضغط من الإمارات". 

 

ويحذر من أن المخاطر جسيمة: "أي تدخل إثيوبي مباشر، حتى وإن كان ضمنيًا، قد يجر إريتريا إلى الصراع لمساعدة الجيش السوداني، أو قد يدفع أسمرة إلى مواصلة مساعيها لزعزعة الاستقرار داخل إثيوبيا".

 

يقول مصطفى أحمد، المحلل المختص بشؤون القرن الأفريقي، إن اتهامات السودان الأخيرة تعكس تدهور المناخ الإقليمي أكثر من كونها نقطة تحول واحدة. ويشير إلى أن إثيوبيا حاولت الحفاظ على موقف حيادي علني بينما تراقب حكومة برهان في بورتسودان وهي تتقارب بشكل أوثق مع إريتريا، الخصم الإقليمي لأديس أبابا.

 

إثيوبيا على دراية بهذه الثغرات الأمنية

 

وأضاف أن التقارير وصور الأقمار الصناعية التي تزعم وجودًا إماراتيًا في بني شنقول-جوموز قد حوّلت فعليًا الحدود السودانية الإثيوبية إلى جبهة أخرى في صراع خليجي أوسع، وهذا وضعٌ حرجٌ للغاية بالنسبة لإثيوبيا.

 

وحذر قائلاً: "إن أي رد فعل من جانب القوات المسلحة السودانية غافورية قد يضر بمنطقتي تيغراي وأمهرة الإثيوبيتين اللتين تعانيان أصلاً من انعدام الأمن". ولا تزال إثيوبيا تتعافى من آثار حرب تيغراي ، كما أن أجزاءً من أمهرة لا تزال غير مستقرة. ومن شأن نشوب صراع بالوكالة على طول الحدود الغربية أن يزيد الضغط على قوات الأمن العاملة أصلاً تحت ضغط كبير.

 

وتابع: "تُدرك إثيوبيا هذه المخاطر، ولذا أرسلت وفودًا رفيعة المستوى إلى بورتسودان في يونيو 2025. وتشير التقارير إلى أن إثيوبيا طلبت من بورتسودان عدم التدخل في نزاعاتها الداخلية". وتُفسر هذه التوترات الكامنة سبب فشل جهود إثيوبيا للتوسط في حرب السودان إلى حد كبير.

https://www.theafricareport.com/407980/is-ethiopias-abiy-helping-rsf-in-sudans-civil-war/